أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

287

العقد الفريد

قال الحارث : إنّ في الحق مغضبة ، والسّرو التغافل « 1 » ، ولن يستوجب أحد الحلم إلا مع القدرة ، فلتشبه أفعالك مجلسك . قال كسرى : هذا فتى القوم . ثم قال كسرى : قد فهمت ما نطقت به خطباؤكم ، وتفنّن فيه متكلّموكم ولولا أني أعلم أن الأدب لم يثقّف أودكم ، ولم يحكم أمركم ، وأنه ليس لكم ملك يجمعكم فتنطقون عنده منطق الرعية الخاضعة الباخعة ، فنطقتم بما استولى على ألسنتكم ، وغلب على طباعكم ، لم أجز لكم كثيرا مما تكلمتم به . وإني لأكره أن أجبّه « 2 » وفودي أو أحنق صدورهم ، والذي أحبّ هو إصلاح مدبركم ، وتألف شواذّكم ، والإعذار إلى اللّه فيما بيني وبينكم ؛ وقد قبلت ما كان في منطقكم من صواب . وصفحت عما كان فيه من خلل ؛ فانصرفوا إلى ملككم فأحسنوا مؤازرته والتزموا طاعته ، واردعوا سفهاءكم وأقيموا أودهم ، وأحسنوا أدبهم ، فإن في ذلك صلاح العامّة . وفود حاجب بن زرارة على كسرى العتبي عن أبيه : أن حاجب بن زرارة وفد على كسرى لما منع تميما من ريف العراق ، فاستأذن عليه ، فأوصل إليه فقال : أسيّد العرب أنت ؟ قال : لا . قال : فسيّد مضر ؟ قال : لا . قال : فسيّد بني أبيك أنت ؟ قال : لا . ثم أذن له فدخل عليه . قال : من أنت ؟ قال : سيد العرب ! قال : أليس قد أوصلت إليك : أسيّد العرب أنت ؟ فقلت : لا ، حتى اقتصرت بك على بني أبيك ، فقلت : لا ؟ قال له : أيها الملك ، لم أكن كذلك حتى دخلت عليك ، فلما دخلت عليك صرت سيد العرب . قال كسرى : زه « 3 » ! املئوا فاه درّا . ثم قال : إنكم معشر العرب غدر ، فإن أذنت لكم أفسدتم البلاد ، وأغرتم على العباد ، وآذيتموني . قال حاجب : فإني ضامن للملك ألّا يفعلوا .

--> ( 1 ) السّرو : المروءة والشرف . ( 2 ) أجبّه : أواجه . ( 3 ) زه : أحسنت ، دليل على الإعجاب .